السيد كمال الحيدري

258

المعاد روية قرآنية

بعينه ، ولا يقدح في شخصيته فقدان يده أو عينه ، فكذلك في الآخرة لا يقدح في وحدته وتشخّصه كونه كان في الدنيا بصيراً ويحشر في الآخرة أعمى ، وهذا العمى هو العمى الحقيقي الذي كان له في الدنيا ، وهو عمى البصيرة ، وحيث إنّ الدار الآخرة هي الدار التي تبلى فيها السرائر وتظهر الحقائق ، فلا محيص من أن يحشر الكافر والفاسق أعمى ، ويعرف أهل المحشر أن هذا هو الذي كان أعمى في الدنيا حقيقة ، وإن كان بصيراً صورة وقد حشره الله بصورته الحقيقية في الآخرة التي هي دار الحقّ والحقيقة » . « 1 » فتحصّل إلى هنا أنّ للإنسان معادين ، روحانيّاً وجسمانيّاً معاً ، بمعنى أنّ الإنسان في الآخرة هو الإنسان الذي كان في الدنيا ، فكما أن له في الدنيا لذائذ حسّية وأخرى عقلية ، كذلك في الآخرة . قال الحكيم السبزواري في « شرح الأسماء » : « المعاد جسمانىّ وروحانىّ ، فمن قائل بالجسمانىّ فقط ومن قائل بالروحانىّ فقط ومن قائل فحل بهما جميعاً ، وهو الحقّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . والأول مذهب أكثر أهل الظاهر والقشريين ؛ بناءً على أن الروح عندهم جسم سارٍ في البدن سريان النار في الفحم والماء في الورد وأن العالم منحصر في عالم الصورة ، وأن اللّذة والألم منحصران في الحسّيين . والثاني مذهب جمهور الفلاسفة ؛ بناءً على أنّ البدن كائن ، وكلّ كائن فاسد ، والباقي إنّما هو الروح فقط . وانسانيّة الإنسان بروحه لا بجسده وأنّ اللذّة إنّما هي اللذّة الروحانيّة من مشاهدة المفارقات العقلية النوريّة ومبدأ المبادى والابتهاج بها ونيل رَوْح وصالها ممّا لا عين رأت ولا أذن سمعت

--> ( 1 ) الفردوس الأعلى ، سماحة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء مع تعليقات السيد محمد على القاضي الطباطبائي ، دار المحجّة البيضاء ، ط 1 ، 1422 ه ، بيروت ، لبنان : ص 97 .